مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

154

الواضح في علوم القرآن

ولما كانت أباطيلهم هذه بادية العوار - كما فندها القرآن - ظاهرة في إعلان ضعفهم وعجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة ، وهروبا صريحا من التحدي ، لم يجدوا بدا من سلوك الطريق الصعب ، واللجوء إلى القوة ، ولو كلفتهم الغالي والنفيس ، وحكمت السيوف في أعناقهم ، وأفقدتهم الأزواج والأولاد ، وأباحت دماءهم وأموالهم . وكل هذا قد حصل ، وآثروه - وهم أكثر الناس حمية وأنفة - على أن يتصدوا لمعارضة القرآن ، وما ذلك إلا لأنهم علموا أنه ليس بمقدورهم الإتيان بمثله ، وإلا لبادروا إليه ولكان أهون عليهم وأقل كلفة . وإذا ثبت أنه ليس في مقدورهم ثبت - من باب أولى - أنه ليس في مقدور غيرهم ، وبالتالي ثبت أنه ليس من كلام البشر . هذا ولقد استمرّ هذا التحدّي يقرع آذان الأدباء والشعراء والبلغاء - على اختلاف نحلهم ومذاهبهم - في كل عصر وقرن ، واستمر هذا الوجوم أمام شموخ القرآن في إعجازه ، ولم يجرؤ أحد - ممن عنده أثارة من علم أو فهم - على أن يتصدى لهذا الشموخ ، وهذا دليل مادي ملموس من أقوى دلائل الإعجاز في القرآن ، وما ورد من محاولات سخيفة في معارضته فإنما هو هذيان نجلّ المقام عن ذكره . 3 - سماعه حجة : من دلائل الإعجاز في القرآن أن اللّه سبحانه وتعالى جعل سماعه حجّة ، قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] فلو لا أن سماعه حجة لما وقف أمنه على سماعه ، ولا يكون حجة إلا إذا كان معجزة . 4 - تأثيره النفسي : لعل من أقوى دلائل الإعجاز في القرآن هو ذاك التأثير الذي يبعثه في النفوس ،